ابن ميثم البحراني
302
شرح نهج البلاغة
فَرِحِينَ » ( 1 ) ولما اتّفقت عليه كلمة العلماء ، ونطقت به البراهين العقليّة أنّ أولياء اللَّه لا يموتون ولا يبلون وإن بليت أجسادهم . قال بعض الخائضين فيما لا يعنيه قوله : ويبلى من بلى منّا نصّ جلىّ على أنّ أجساد الأولياء ت لي وذلك يخالف ما يعتقده الناس من أنّ أجسادهم باقية إلى يوم القيامة بحالها . قلت الاعتقاد المذكور لبعض الناس إنّما نشأ من قول الرسول صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم في قتلى بدر زمّلوهم بكلومهم ودمائهم فإنّهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما وقوله تعالى « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ » الآية وليس ولا واحد منهما بدالّ على أنّ الأجساد لا تموت ولا تبلى أمّا الخبر فليس مقتضاه أنّها تبقى صحيحة تشخب دما إلى يوم القيامة بل ذلك ممّا يشهد ببطلانه الحسّ بل يحمل على أنّها كما تعاد يوم القيامة تعاد مجروحة تشخب جراحها دما كهيئتها يوم موتها ، وأمّا الآية فالَّذي أجمع عليه علماء المفسّرين أنّ الحياة المذكورة فيها هي حياة النفوس وهو ظاهر في سبب نزولها عن ابن عباس - رضوان اللَّه عليه - قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لمّا أصيب إخوانكم بأحد جعل اللَّه أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنّة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلَّقة في ظلّ العرش فلمّا وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا : من يبلغ إخواننا عنّا أنّا في الجنّة نرزق لئلَّا يزهد في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب فقال اللَّه عزّ وجلّ أنا أبلغهم عنكم فنزلت « وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا » الآية فإذن لا منافاة بين كلامه عليه السّلام وما ورد في القرآن والخبر ومقصوده بهذه الكلمة تقرير فضيلتهم وأنّهم أولياء باقون عند ربّهم في ظلّ كرامته . وقوله : فلا تقولوا بما لا تعرفون . تنبيه على الرجوع إلى العترة العارفين بما ينبغي أن يقال وقوله : فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون تأكيد للأمر بالتثبّت في الأقوال والنهى عن التسرّع إليها ، والجاهل قد ينكر الحقّ إذا خالف طبعه أو نبا عنه فهمه أو سبق اعتقاد ضدّه إليه بشبهة أو تقليد فنبّه على أنّ أكثر الحقّ فيما ينكرونه لئلَّا يتسرّعوا إلى القول من غير علم ،
--> ( 1 ) 3 - 163 .